فصل: فَصْلٌ: شَرَائِطُ اللُّزُومِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: في عَقْدِ الذِّمِّيِّ:

ثُمَّ كُلُّ عَقْدٍ إذَا عَقَدَهُ الذِّمِّيُّ كَانَ فَاسِدًا، فَإِذَا عَقَدَهُ الْحَرْبِيُّ؛ كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُفْسِدَ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ كَافِرٌ بِخَمْسِ نِسْوَةٍ أَوْ بِأُخْتَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ صَحَّ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ، وَكَذَا فِي الْأُخْتَيْنِ يَصِحُّ نِكَاحُ الْأُولَى، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَخْتَارُ مِنْ الْخَمْسِ أَرْبَعًا، وَمِنْ الْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عَقَدٍ اسْتِحْسَانًا، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ احْتَجَّ، مُحَمَّدٌ بِمَا رُوِيَ: «أَنَّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ، وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ».
وَرُوِيَ: «أَنَّ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ أَسْلَمَ، وَتَحْتَهُ ثَمَانُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
وَرُوِيَ: «أَنَّ، فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ أَسْلَمَ، وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، فَخَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّ نِكَاحَهُنَّ كَانَ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَاسْتَفْسَرَ، فَدَلَّ أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهِ هُوَ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْجَمْعَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَهُوَ خَوْفُ الْجَوْرِ فِي إيفَاءِ حُقُوقِهِنَّ، وَالْإِفْضَاءِ إلَى قَطْعِ الرَّحِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دِيَانَتُهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُهُودِهِمْ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ عَنْ مِثْلِهِ بَعْدَ إعْطَاءِ الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ لَنَا وِلَايَةُ التَّعَرُّضِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِذَا أَسْلَمَ، فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، فَلَا يُمْكِنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْجَمْعِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَ الْخَمْسَ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدْ حَصَلَ نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا إذْ لَيْسَتْ إحْدَاهُنَّ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَالْجَمْعُ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ مِنْ التَّعَرُّضِ، فلابد مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِالتَّفْرِيقِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ الْأُخْتَيْنِ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جُعِلَ جَمْعًا إذْ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَالْإِسْلَامُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّفْرِيقِ فَيُفَرَّقُ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي عَقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَنِكَاحُ الْأَرْبَعِ مِنْهُنَّ، وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ تَزَوَّجَ الْأُخْتَيْنِ فِي عَقْدَتَيْنِ، فَنِكَاحُ الْأُولَى، وَقَعَ صَحِيحًا إذْ لَا مَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فلابد مِنْ التَّفْرِيقِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ، فَفِيهَا إثْبَاتُ الِاخْتِيَارِ لِلزَّوْجِ الْمُسْلِمِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَوْ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارَ لِتَجَدُّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارَ لِيُمْسِكَهُنَّ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ مَعَ مَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ، وَقَدْ كَانَ تَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ ثَبَتَ بِسُورَةِ النِّسَاءِ الْكُبْرَى، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ.
وَرُوِيَ: «أَنَّ، فَيْرُوزَ لَمَّا هَاجَرَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَهُ إنَّ تَحْتِيَ أُخْتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعْ، فَطَلِّقْ إحْدَاهُمَا»، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ، فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، ثُمَّ سُبِيَ هُوَ، وَسُبِينَ مَعَهُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكُلِّ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عَقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَرْبَعِ، وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَقْتَ النِّكَاحِ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ لِحُصُولِ الْجَمْعِ مِنْ الْعَبْدِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ، فَيَقَعُ جَمْعًا بَيْنَ الْكُلِّ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكُلِّ، وَلَا يُخَيَّرُ فِيهِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا، وَلَا يُخَيَّرُ كَذَا هَذَا.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّرُ فِيهِ، فَيَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَمَا يُخَيَّرُ الْحُرُّ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مِنْ نِسَائِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ تَزَوَّجَ أُمًّا وَبِنْتًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا مُتَفَرِّقًا، فَنِكَاحُ الْأُولَى جَائِزٌ، وَنِكَاحُ الْأُخْرَى بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ كَمَا قَالَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَمْسِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: نِكَاحُ الْبِنْتِ هُوَ الْجَائِزُ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عَقْدَتَيْنِ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ عَقْدِ الْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَنِكَاحُهُمَا جَمِيعًا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الدُّخُولِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ سَوَاءٌ دَخَلَ بِالْأُمِّ أَوْ بِالْبِنْتِ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِالْأُولَى، وَلَكِنْ دَخَلَ بِالثَّانِيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى بِنْتًا، وَالثَّانِيَةُ أُمًّا؛ فَنِكَاحُهُمَا جَمِيعًا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْبِنْتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّ، وَالدُّخُولُ بِالْأُمِّ يُحَرِّمُ الْبِنْتَ.
وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُولَى، ثُمَّ تَزَوَّجَ الثَّانِيَةَ، فَنِكَاحُ الْأُولَى جَائِزٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ الْأُمَّ أَوَّلًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ، وَدَخَلَ بِهَا، فَنِكَاحُهُمَا جَمِيعًا بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْبِنْتِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْأُمِّ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِكَاحُ الْبِنْتِ هُوَ الْجَائِزُ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا، وَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ بَاطِلٌ.

.فَصْلٌ: شَرَائِطُ اللُّزُومِ:

وَأَمَّا شَرَائِطُ اللُّزُومِ، فَنَوْعَانِ فِي الْأَصْلِ نَوْعٌ هُوَ شَرْطُ وُقُوعِ النِّكَاحِ لَازِمًا، وَنَوْعٌ هُوَ شَرْطُ بَقَائِهِ عَلَى اللُّزُومِ.

.أَمَّا الْأَوَّلُ:

فَأَنْوَاعٌ مِنْهَا:

.أَنْ يَكُونُ الْوَلِيُّ فِي إنْكَاحِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ هُوَ الْأَبُ وَالْجَدُّ:

فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يَلْزَمُ النِّكَاحُ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُمَا الْخِيَارُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَلْزَمُ نِكَاحُ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ لَهُمَا الْخِيَارُ (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ هَذَا النِّكَاحَ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ، فَيَلْزَمُ كَمَا إذَا صَدَرَ عَنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ، وِلَايَةُ نَظَرٍ فِي حَقِّ الْمُولَى عَلَيْهِ فَيَدُلُّ ثُبُوتُهَا عَلَى حُصُولِ النَّظَرِ، وَهَذَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَوْ ثَبَتَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِنَفْيِ الضَّرَرِ وَلَا ضَرَرَ، فَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي نِكَاحِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ كَذَا هَذَا، وَلَهُمَا مَا رُوِيَ: «أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ بِنْتَ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا» حَتَّى رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إنَّهَا اُنْتُزِعَتْ مِنِّي بَعْدَ مَا مَلَكْتُهَا، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ؛ وَلِأَنَّ أَصْلَ الْقَرَابَةِ إنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ النَّظَرِ؛ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى أَصْلِ الشَّفَقَةِ، فَقُصُورُهَا يَدُلُّ عَلَى قُصُورِ النَّظَرِ لِقُصُورِ الشَّفَقَةِ بِسَبَبِ بُعْدِ الْقَرَابَةِ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَصْلِ الْقَرَابَةِ بِإِثْبَاتِ أَصْلِ الْوِلَايَةِ، وَاعْتِبَارُ الْقُصُورِ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ تَكْمِيلًا لِلنَّظَرِ، وَتَوْفِيرًا فِي حَقِّ الصَّغِيرِ بِتَلَافِي التَّقْصِيرِ لَوْ وَقَعَ، وَلَا يُتَوَهَّمُ التَّقْصِيرُ فِي إنْكَاحِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا لِذَلِكَ لَزِمَ إنْكَاحُهُمَا، وَلَمْ يَلْزَمْ إنْكَاحُ الْأَخِ وَالْعَمِّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي إنْكَاحِ الْأَبِ وَالْجَدِّ أَنْ لَا يَلْزَمَ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فِي ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَبَلَغَتْ لَمْ يُعْلِمْهَا بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ ثَابِتًا لَهَا، وَذَلِكَ حَقُّهَا لَأَعْلَمَهَا بِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُ إذَا زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا زَوَّجَهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَالْحَاكِمُ غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ هَكَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَرَوَى خَالِدُ بْنُ صَبِيحٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا (وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ أَعَمُّ مِنْ وِلَايَةِ الْأَخِ وَالْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا، فَكَانَتْ، وِلَايَتُهُ شَبِيهَةً بِوِلَايَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَوِلَايَتُهُمَا مُلْزِمَةٌ كَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحَاكِمِ (وَجْهُ) رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ، وِلَايَةَ الْأَخِ وَالْعَمِّ أَقْوَى مِنْ وِلَايَةِ الْحَاكِمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا يَتَقَدَّمَانِ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُزَوِّجَ الْحَاكِمُ مَعَ وُجُودِهِمَا، ثُمَّ وِلَايَتُهُمَا غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، فَوِلَايَةُ الْحَاكِمِ أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ النِّكَاحِ أَوْ الْفُرْقَةِ، فَيَقَعُ الْكَلَامُ بَعْدَ هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا: فِي بَيَانِ وَقْتِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ أَمَّا الْأَوَّلُ، فَالْخِيَارُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا قَبْلَهُ حَتَّى لَوْ رَضِيَتْ بِالنِّكَاحِ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا يُعْتَبَرُ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الرِّضَا تَثْبُتُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا قَبْلَهُ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَمَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ نَوْعَانِ: نَصٌّ وَدَلَالَةٌ أَمَّا النَّصُّ، فَهُوَ صَرِيحُ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ نَحْوَ أَنْ تَقُولَ رَضِيتُ بِالنِّكَاحِ، وَاخْتَرْتُ النِّكَاحَ أَوْ أَجَزْتُهُ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، فَيَبْطُلُ خِيَارُ الْفُرْقَةِ، وَيَلْزَمُ النِّكَاحُ.
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ، فَنَحْوُ السُّكُوتِ مِنْ الْبِكْرِ عَقِيبَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ دَلِيلُ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِكْرَ لِغَلَبَةِ حَيَائِهَا تَسْتَحِي عَنْ إظْهَارِ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ.
فَأَمَّا سُكُوتُ الثَّيِّبِ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَبَلَغَتْ وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَسَكَتَتْ عَقِيبَ الْبُلُوغِ، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِي عَنْ إظْهَارِ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ عَادَةً؛ لِأَنَّ بِالثِّيَابَةِ قَلَّ حَيَاؤُهَا، فَلَا يَصِحُّ سُكُوتُهَا دَلِيلًا عَلَى الرِّضَا بِالنِّكَاحِ، فَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا إلَّا بِصَرِيحِ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ أَوْ بِفِعْلٍ أَوْ بِقَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا نَحْوَ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ وَطَلَبِ الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَا سُكُوتُ الْغُلَامِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا يَسْتَحِي عَنْ إظْهَارِ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ إذْ ذَاكَ دَلِيلُ الرُّجُولِيَّةِ، فَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ إلَّا بِنَصِّ كَلَامِهِ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالنِّكَاحِ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا، وَطَلَبُ التَّمَكُّنِ مِنْهَا، وَإِدْرَارُ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْعِلْمُ بِالنِّكَاحِ شَرْطُ بُطْلَانِ الْخِيَارِ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِالنِّكَاحِ لَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْخِيَارِ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهَا دَلَالَةً، وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إذْ هُوَ اسْتِحْسَانُ الشَّيْءِ.
وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ كَيْفَ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإِذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِالنِّكَاحِ، وَوُجِدَ مِنْهَا دَلِيلُ الرِّضَا بِالنِّكَاحِ بَطَلَ خِيَارُهَا، وَلَا يَمْتَدُّ هَذَا الْخِيَارُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ بَلْ يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ مِنْ الْبِكْرِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْعِتْقِ، وَخِيَارُ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ هُنَاكَ، وُجِدَ مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ الزَّوْجُ أَوْ الْمَوْلَى أَمَّا فِي الزَّوْجِ، فَظَاهِرٌ.
وَكَذَا فِي الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ بِالْعِتْقِ، وَالْعِتْقُ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ، وَالتَّخْيِيرُ مِنْ الْعَبْدِ تَمْلِيكٌ فَيَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ، فَيَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِصُنْعِ الْعَبْدِ بَلْ بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا، فَلَا يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِالنِّكَاحِ، فَلَهَا الْخِيَارُ حِينَ تَعْلَمُ بِالنِّكَاحِ، ثُمَّ خِيَارُ الْبُلُوغِ يَثْبُتُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَخِيَارُ الْعِتْقِ لَا يَثْبُتُ إلَّا لِلْمُعْتَقَةِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ يَثْبُتُ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَخِيَارُ الْعِتْقِ ثَبَتَ لِزِيَادَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا بِالْعِتْقِ، وَذَا يَخْتَصُّ بِهَا.
وَكَذَا خِيَارُ الْبُلُوغِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى إذَا كَانَتْ الْأُنْثَى ثَيِّبًا لَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الْعِتْقِ، وَالْمُخَيَّرَةُ يَبْطُلُ وَالْفَرْقُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ خِيَارِ الْبِكْرِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ، وَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ، وَالثَّانِي لَا يَبْطُلُ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْخِيَارِ، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْجَهْلُ بِهِ لَيْسَ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ، فَيُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا بِالتَّعَلُّمِ، فَكَانَ الْجَهْلُ بِالْخِيَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلِهَذَا لَا يُعْذَرُ الْعَوَامُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِجَهْلِهِمْ بِالشَّرَائِعِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْعِتْقِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْخِيَارِ هُنَاكَ شَرْطٌ، وَالْجَهْلَ بِهِ عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ، وَالْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَيْهَا لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الضَّرُورَةِ بَلْ بِوَاسِطَةِ التَّعَلُّمِ، وَالْأَمَةُ لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ التَّعَلُّمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ لِاشْتِغَالِهَا بِخِدْمَةِ مَوْلَاهَا بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، ثُمَّ إذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفُرْقَةَ، فَهَذِهِ الْفُرْقَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِ خِيَارِ الْعِتْقِ، فَإِنَّ الْمُعْتَقَةَ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا تَثْبُتُ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي (وَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ هاهنا ثَابِتٌ، وَحُكْمُهُ نَافِذٌ، وَإِنَّمَا الْغَائِبُ وَصْفُ الْكَمَالِ، وَهُوَ صِفَةُ اللُّزُومِ، فَكَانَ الْفَسْخُ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ رَفْعَ الْأَصْلِ بِفَوَاتِ الْوَصْفِ، وَفَوَاتُ الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ رَفْعَ الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَعْلِ الْأَصْلِ تَبَعًا لِلْوَصْفِ، وَلَيْسَ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ، وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، فلابد مِنْ رَفْعِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ، وَهُوَ الْقَاضِي؛ لِيَرْفَعَ النِّكَاحَ دَفْعًا لِحَاجَةِ الصَّغِيرِ الَّذِي بَلَغَ، وَنَظَرًا لَهُ بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ازْدَادَ عَلَيْهَا بِالْعِتْقِ، وَلَهَا أَنْ لَا تَرْضَى بِالزِّيَادَةِ، فَكَانَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ الزِّيَادَةَ، وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا إلَّا بِانْدِفَاعِ مَا كَانَ ثَابِتًا، فَيَنْدَفِعُ الثَّابِتُ ضَرُورَةَ دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الْمِلْكِ تَابِعًا لِبَعْضٍ، فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَنَظِيرُ الْفَصْلَيْنِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَثْبُتُ بِدُونِ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَالثَّانِي لَا يَثْبُتُ عِنْدَ عَدَمِ التَّرَاضِي مِنْهُمَا إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ابْنَ أَخِيهِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَدَرَ عَنْ الْأَبِ.
وَأَمَّا ابْنُ الْأَخِ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لِصُدُورِ النِّكَاحِ عَنْ الْعَمِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا خِيَارَ لَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَلَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْوَلَاءِ دُونَ وِلَايَةِ الْقَرَابَةِ، فَلَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ ثَمَّةَ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ هاهنا أَوْلَى، وَلَوْ زَوَّجَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَلَهَا إذَا بَلَغَتْ خِيَارُ الْعِتْقِ لَا خِيَارَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَادَفَهَا، وَهِيَ رَقِيقَةٌ.

.فَصْلٌ: كَفَاءَةُ الزَّوْجِ فِي إنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ:

وَمِنْهَا كَفَاءَةُ الزَّوْجِ فِي إنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّرْطِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدِهَا: فِي بَيَانِ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي بَابِ النِّكَاحِ هَلْ هِيَ شَرْطُ لُزُومِ النِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ؟ أَمْ لَا؟.
وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ النِّكَاحِ الَّذِي الْكَفَاءَةُ مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ، وَالثَّالِثِ: فِي بَيَانِ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَاءَةُ، وَالرَّابِعِ: فِي بَيَانِ مَنْ يُعْتَبَرُ لَهُ الْكَفَاءَةُ.

.الْكَفَاءَةُ فِي بَابِ النِّكَاحِ:

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا شَرْطٌ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ: «أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ خَطَبَ إلَى بَنِي بَيَاضَةَ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكِحُوا أَبَا طَيْبَةَ إنْ لَا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَسَادٌ كَبِيرٌ».
وَرُوِيَ أَنَّ «بِلَالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ لَهُمْ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَزَوَّجُونِي» أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّزْوِيجِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً لَمَا أَمَرَ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ.
«وَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، فَضْلٌ إلَّا بِالتَّقْوَى»، وَهَذَا نَصٌّ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ لَكَانَ أَوْلَى الْأَبْوَابِ بِالِاعْتِبَارِ بِهَا بَابُ الدِّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ حَتَّى يُقْتَلَ الشَّرِيفُ بِالْوَضِيعِ، فَهاَهُنَا أَوْلَى، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ، فَكَذَا فِي جَانِبِ الزَّوْجِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ، وَلَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ»، وَلِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ تَخْتَلُّ عِنْدَ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالِاسْتِفْرَاشِ، وَالْمَرْأَةُ تَسْتَنْكِفُ عَنْ اسْتِفْرَاشِ غَيْرِ الْكُفْءِ، وَتُعَيَّرُ بِذَلِكَ، فَتَخْتَلُّ الْمَصَالِحُ؛ وَلِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْرِي بَيْنَهُمَا مُبَاسَطَاتٌ فِي النِّكَاحِ لَا يَبْقَى النِّكَاحُ بِدُونِ تَحَمُّلِهَا عَادَةً، وَالتَّحَمُّلُ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ أَمْرٌ صَعْبٌ يَثْقُلُ عَلَى الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، فَلَا يَدُومُ النِّكَاحُ مَعَ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ، فَلَزِمَ اعْتِبَارُهَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّزْوِيجِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ نَدْبًا لَهُمْ إلَى الْأَفْضَلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الدِّينِ، وَتَرْكُ الْكَفَاءَةِ فِيمَا سِوَاهُ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الِامْتِنَاعِ.
وَعِنْدَنَا الْأَفْضَلُ اعْتِبَارُ الدِّينِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ أَمْرَ إيجَابٍ أَمَرَهُمْ بِالتَّزْوِيجِ مِنْهُمَا مَعَ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ تَخْصِيصًا لَهُمْ بِذَلِكَ كَمَا خَصَّ أَبَا طَيْبَةَ بِالتَّمْكِينِ مِنْ شُرْبِ دَمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَصَّ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَحْدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا شَرِكَةَ فِي مَوْضِعِ الْخُصُوصِيَّةِ حَمَلْنَا الْحَدِيثَيْنِ عَلَى مَا قُلْنَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَحْكَامُ الْآخِرَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِظُهُورِ فَضْلِ الْعَرَبِيِّ عَلَى الْعَجَمِيِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَيُحْمَلُ عَلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَبِهِ نَقُولُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْقِصَاصِ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ لَمَصْلَحَةِ الْحَيَاةِ، وَاعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقْصِدُ قَتْلَ عَدُوِّهِ الَّذِي لَا يُكَافِئُهُ، فَتَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ الْقِصَاصِ، وَفِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ تَحْقِيقُ الْمَصْلَحَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ النِّكَاحِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، فَبَطَلَ الِاعْتِبَارُ.
وَكَذَا الِاعْتِبَارُ بِجَانِبِ الْمَرْأَةِ لَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ اسْتِفْرَاشِ الْمَرْأَةِ الدَّنِيئَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْكَافَ عَنْ الْمُسْتَفْرِشِ لَا عَنْ الْمُسْتَفْرِشِ، وَالزَّوْجُ مُسْتَفْرِشٌ، فَيَسْتَفْرِشُ الْوَطِيءَ وَالْخَشِنَ.

.فَصْلٌ: إنْكَاحُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ:

وَأَمَّا الثَّانِي فَالنِّكَاحُ الَّذِي الْكَفَاءَةُ فِيهِ شَرْطُ لُزُومِهِ هُوَ إنْكَاحُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ لَا يَلْزَمُ حَتَّى لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ لَا يَلْزَمُ.
وَلِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ فِي الْكَفَاءَةِ حَقًّا لِلْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَتَفَاخَرُونَ بِعُلُوِّ نَسَبِ الْخَتَنِ، وَيَتَعَيَّرُونَ بِدَنَاءَةِ نَسَبِهِ، فَيَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الضَّرَرَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالِاعْتِرَاضِ كَالْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ، وَيَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ كَانَ التَّزْوِيجُ بِرِضَاهُمْ يَلْزَمُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ مِنْ الْمَرْأَةِ تَصَرُّفٌ مِنْ الْأَهْلِ فِي مَحَلٍّ هُوَ خَالِصُ حَقِّهَا، وَهُوَ نَفْسُهَا، وَامْتِنَاعُ اللُّزُومِ كَانَ لِحَقِّهِمْ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكَفَاءَةِ، فَإِذَا رَضُوا، فَقَدْ أَسْقَطُوا حَقَّ أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْقَاطِ، وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلسُّقُوطِ، فَيَسْقُطُ.
وَلَوْ رَضِيَ بِهِ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَسْقُطُ.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْكَفَاءَةِ ثَبَتَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْكُلِّ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِ أَحَدُهُمْ، فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْبَاقِينَ كَالدَّيْنِ إذَا وَجَبَ لِجَمَاعَةٍ، فَأَبْرَأَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْبَاقِينَ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ رِضَا أَحَدِهِمْ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ رِضَاهَا، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ بِرِضَاهَا، فَلَأَنْ لَا يَسْقُطَ بِرِضَا أَحَدِهِمْ أَوْلَى، وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا حَقٌّ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ، وَإِسْقَاطُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ إسْقَاطٌ لِكُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَعْضَ لَهُ، فَإِذَا أُسْقِطَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ كَالْقِصَاصِ إذَا وَجَبَ لِجَمَاعَةٍ، فَعَفَا أَحَدُهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْبَاقِينَ كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْكَفَاءَةِ مَا ثَبَتَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَالتَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ وَقَعَ إضْرَارًا بِالْأَوْلِيَاءِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ ضَرَرُ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ أَحَدُهُمْ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَصْلَحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْكَفَاءَةِ وَقَفَ هُوَ عَلَيْهَا، وَغَفَلَ عَنْهَا الْبَاقُونَ لَوْلَاهَا لَمَا رَضِيَ، وَهِيَ دَفْعُ ضَرَرِ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا عَلَى تَقْدِيرِ الْفَسْخِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْحَقُّ ثَبَتَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، فَنَقُولُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَمْنُوعٌ بَلْ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَجَزَّأُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَحَقِّ الْقِصَاصِ، وَالْأَمَانِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَتَجَزَّأُ فَتُتَصَوَّرُ فِيهِ الشَّرِكَةُ؟ وَبِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدٌ، فَحَقُّهَا خِلَافُ جِنْسِ حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي نَفْسِهَا، وَفِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي نَفْسِهَا، وَلَا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ فِي دَفْعِ الشَّيْنِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْحَقِّ، فَسُقُوطُ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْآخَرِ.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذَا الْحَقَّ مَا ثَبَتَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَفِي إبْقَائِهِ لُزُومُ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ، فَسَقَطَ ضَرُورَةً، وَكَذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ لَوْ زَوَّجُوهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا يَلْزَمُ النِّكَاحُ لِمَا قُلْنَا.
وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْبَاقِينَ يَجُوزُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِمَالِكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ وِلَايَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ وِلَايَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي شَرَائِطِ الْجَوَازِ، وَهَلْ يَلْزَمُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: يَلْزَمُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُ، وَجْهُ قَوْلِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْكُلِّ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ لَا يَسْقُطُ حَقُّ صَاحِبِهِ كَالدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا حَقٌّ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَقِّ إذَا ثَبَتَ لِجَمَاعَةٍ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَالْقِصَاصِ وَالْأَمَانِ؛ وَلِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى النِّكَاحِ مَعَ كَمَالِ الرَّأْيِ بِرِضَاهَا مَعَ الْتِزَامِ ضَرَرٍ ظَاهِرٍ بِالْقَبِيلَةِ وَبِنَفْسِهِ، وَهُوَ ضَرَرُ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ بِلُحُوقِ الْعَارِ وَالشَّيْنِ دَلِيلُ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً فِي الْبَاطِنِ، وَهُوَ اشْتِمَالُهُ عَلَى دَفْعِ ضَرَرٍ أَعْظَمَ مِنْ ضَرَرِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ ضَرَرُ عَارِ الزِّنَا أَوْ غَيْرِهِ لَوْلَاهُ لَمَا فُعِلَ.
وَأَمَّا إنْكَاحُ الْأَبِ، وَالْجَدِّ الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ، فَالْكَفَاءَةُ فِيهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلُزُومِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطِ الْجَوَازِ عِنْدَهُ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَهُ كَمَالُ نَظَرٍ لِكَمَالِ الشَّفَقَةِ بِخِلَافِ إنْكَاحِ الْأَخِ وَالْعَمِّ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي شَرَائِطِ الْجَوَازِ.
وَأَمَّا إنْكَاحُهُمَا مِنْ الْكُفْءِ، فَجَائِزٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَازِمٌ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ.